روح منسلة.





أقطن زوايا الإنتظار الممتلئة بالخيبات وأطنان من بيوت العناكب أتنفسها وحيداً خالٍ من كل شيء حتى أنني أشك في كل لحظة تمضي أنني على قيد الحَيَاة.. كل شيء هنا يتآمر ضدي الكراسي المتحركة والستائر الطائرة والسقف الذي يتموج وأولئك المتوشحين الأسود الذين كما يبدو يريدون إختطافي إلى عالمهم المظلم.. حسناً في كل مرة أقول أني سأنام قرير العين تأتي تلك الطفلة المزعجة لتقرفص أمامي وتصفق وفي كل مرة تمد يديها أكثر ليصدر صوت أعلى.. الليل والنهار هنا متساويين عندي فلا فرق بينهما إني أخشى الليل خشية النهار ذاتها، فهم لا يكترثون للشمس أو القمر يظهرون في كل وقت يعبثون بأغراضي ويزيدوني رعباً ثم يختفون فجأة دون أن أشعر يحبون الهدوء فالبرغم من أن لحظات الهدوء نادرة هنا إلا أنهم لا يدعوني أهنئ بها يسعون دوماً إلى تخريب لحظاتي التي أسعى إلى أن أخلدها بداخل مخزون ذكرياتي السعيدة الذي يفيض بالغبار وبما لا يوجد به !
اليوم أكمل اليوم الثالث دون أن أنام ولو لخمس دقائق متواصلة فكلما حاولت أن أغط في النوم جاء والد تلك الفتاة وأخذ يحدثني عن قصته مع زوجته التي لا تتجمل إلا في الليل موعد النوم تحديداً حاولت أن أرد عليه بأن هذا الأمر جيد نوعاً ما لكني خشيت أن أفتح له باباً لن يوصد من بعدها. بعد أن يشكوني الزوج تأتي زوجته لتحدثني عنها وعن جمالها الذي لا يقدره وكيف أنها ظُلمت مع أحمق لا يُراعي لم أنبس بحرف فقد أظلم الزوج بما أني لا أرى سوى الظلال.. نهضت من على سريري في الليلة الثالثة وأنطلقت أركض إلى الصيدلاني عله يصف لي دواءا يُجبر النوم على إعتناقي ويبعد هذه العائلة عني هممت لأخرج المال من محفظتي فلم أجد سوى بضع وريقات لا تصلح صمت قليلاً وعدت علمت بعدها أن الفتاة قد سرقتها لكيلا أنام وأتركها..


أشرقت الشمس والأن أدخل اليوم الرابع وياله من يوم فعلى مايبدو أن هنالك حفلة ستجري هنا بمعنى الكثير من العوائل والكثير الكثير من الصريخ والإزعاج أتمنى حقاً ألا يكون هنالك مبيت للنساء فهم في كل الأحوال يحببن الثرثرة لا عزاء يوقفهن ولا زواج يمنعهن.. خرجت من المنزل إلى أن ينتهي إجتماعهم فإذا بي أجد نفسي أسير على الرصيف بجوار ظل ملازمني تظاهرت بأني لا أراه ولأصدقكم القول لقد أعتدت الأمر.. سرنا طويلاً أخذت منعطفات مفاجأة حاولت الدخول في أزقة ضيقة وتبعني لكل مكان وحين عدت للمنزل توقف أمام المنزل وسلك الطريق المعاكس وأختفى عجبت لأمره لكني أحسست بحمل إنزاح عن كاهلي دلفت للمنزل كان هادئ جداً خشيت أن يكون هنالك لص أو أي أحد أغلقت الباب بهدوء وما أنتهيت من تفتيش المنزل حتى بدأ العزف والثرثرة والأصوات المتشابكة القاتلة من شدة وجعها أخرجت سماعتي ورفعت الصوت إلى أن كادت أذني تنزف وحاولت أن أنام بأي طريق كانت.. مكثت أنتظر أن تنتهي المعزوفة لأفكر جيداً فقد كان لدي عتب لنفسي وجدال شائك، توقفت المعزوفة فسألت نفسي لما لم أنتقل حتى الأن ؟ مالذي أنتظره خمس سنوات!! أي مجنون من يتحمل هذا؟ قمت وحملت حقائبي وجمعت أغراضي ورحلت إلى فندق مجاور نمت طويلاً بعد أربعة أيام نمت فقط لثلاث عشرة ساعة نهضت بعدها لأجد الظلال تنظر لي حاملة الورد وضعته على فراشي بمشهد فزع مني حتى كادت مقلتاي أن تهرب لم يتوقف قلبي عن العزف تماماً كمعزوفة لبتهوفين صرخت تركت كل شيء خلفي وركضت للخارج فإذا بي أجد الظل الذي لازمني في الأمس يقف أمامي ويقول -ألم يأن الأوان بعد لترحل معنا ؟ لقد انتظرناك طويلاً! لم أرد أن أسأله لكني فعلت على أي حال -من أنت وماذا تريد؟!
-أنت حقاً كما قال الجميع صدقت!
-ما قصدك ؟
-لقد رحلت معنا، كلنا رحلنا لكنك تشبثت بالحياة بنواجذك فلتتركها انتظرناك فعلا للحد المتعب!
-ما هذا الهراء الذي تتفوه به!
-أخلع العمى من على بصيرك كلنا أموات ابنتك وزوجها حفيدتك وأنا.
-ومن تكون أنت ؟
-أنا روحك المنسلة من بين يديك، أنا التي نهشني الموت ورحلت وأنا التي كنت أوقن بالموت حقاً.
-كيف أصدقك؟
-حاول أن تفتح الباب أولاً بيديك ثم ستصدقني.
حاولت أن أمسك بالمقبض أقسم بأنني في كل مرة يخترقني ثم اسقط! طوال تلك المدة كنت أنا الذي لا يتركهم وأنا الذي إعتقدت أنهم لن يفارقوني لكوني حسن المعشر.. كم أنا مثير للشفقة!