حظ عاثر.
أمي تصرخ وأبي يغضب، إخوتي يدمرون كل ما
يرون وأنا الملامة كيف؟ لا أعلم. الأصوات تتعالى في أذني تمزقني لم أعد كسابق عهدي
أصبحت أعيش يومي كله في صمت أفعل ما يريدون مني فعله دون أن تذمر أو أشكو لكيلا ينطقوا،
لكن دائما يحيط العيب كل ما أفعل، كلما حاولت أن أصنعه بمثاليه وجدوا عيب ليس فيه فقط
لأعيده مجددا. في كل مرة أحاول أن أجد الهدوء تنادي علي أمي، أو تصرخ على أخوتي، أو
صوتُ أبي المخيف.. بدأت الأصوات تختلط في رأسي أصبحت أحلم بهم، أسمعهم يلعبون، يصرخون،
بينما هم لا يفعلون! فأمسى حلمي الجديد أن أصبح صماء! حينها لن أسمع تلك السمفونية
كل يوم. كنت أكبرهم وأول من تُعاقب على أفعالهم. فأمسى حلمي الأخر ألا أولد.
استيقظت
في إحدى مساءات أيامي، لكنه لم يكن كذلك نهضت لأفاجأ بأن المنزل تغير، غرفتي لم تكن
هكذا يوماً! الباب الأخضر أصبح وردياً والجدران أُعيد طلائها، ركضت نحو الباب حاولت
أن أمسك المقبض فلم أستطع، كلما حاولت أن أمد يدي نحوه تنحرف وكأنها تخترقه، فقررت
أن أندفع نحوه لعل أحدهم يسمعني. اصطدمت بالجدار لكن كيف؟! نظرتُ خلفي فكان
الباب! لم أتمالك نفسي فسقطت أرضا أرتجف. صُعقت أعتصر الخوف عقلي؛ فلم
أكن قادرة على التفكير بشيء سوى أنني أمسيت شبحا! ركضت نحو غرفة المعيشة، ذلك
المكان الذي لطالما اجتمعوا فيه دلفت إليه.. رأيتهم، وبابتسامة بلهاء
غامرة صرخت، لم ينظر إلي أحد! تحدثت أمي وأعتقد أنها كانت تعاتب أخي كعادتها،
فأنا لم أستطع أن أسمع كلمة مما تقول! لم تحملني قدماي فسقطت أرتجف، صرخت لكن لم يسمعني
أحد دخل أبي على عجل ركض نحو أمي مخترقا إياي، لم أكن سوى ذرة هواء بالنسبة له أنا
لا أستطيع سماعهم، ولا أستطيع أن ألمسهم، أي جحيم وقعت فيه، استوقفت نفسي قائلة: حلم
عابر سأستيقظ الأن لا عليك. وأي حلم كان! مضت الأيام وأنا أراهم أمامي ينامون يلعبون
ويتشاجرون، ولكن لم يفتقدني أحد. و لم يفكر بي أحد. سكنت إحدى زوايا منزلي
أبكي فيها وحيدة، لم أعرهم أي اهتمام سابقا أما الأن، أريد أن أخبر أخي أن ينتبه لكيلا
تنزلق قدماه بينما هو يقفز من هنا لهناك، أريد أن أخبر أختي أن فستانها الأحمر لا يليق
بلون بشرتها، أريد أن أخبر أمي بأنني حقا أحبها، أريد حقا أن أخبر أبي بأنني أفتقده
عندما يغيب طويلا، أريد أن أقول لهم، جميعهم كم أنا أسفة كوني أنانية لحب نفسي فقط.
العائلة
لم أفكر يوما بمعناها، واليوم أعي حقا ما تعنيه هذه الكلمة. العائلة هي أن نبكي، نصرخ،
نضحك، نأكل، نحب، وننام معا العائلة أن نتشارك سقف واحد ولكنه لا يكفينا فنتشارك الأرواح.
العائلة أن نتذمر من بعضنا البعض في كل فرصة تُتاح لنا، لكننا لا نقصدها حقا. العائلة
التي فقدتها كانت هكذا لكني لم أُقدر ذلك الى أن فقدته. تمنياتي الحمقاء قبل أن أنام،
صماء أولا وأنهيتها بألا أولد، فأصبحت بينهما لا أسمعهم ولم أولد بينهم. قليل في حقي
إن كرهتني فأنا أستحق الموت أضعاف، أضعاف ما بكيت.
مر الوقت
ولازلت أقبع هنا في منزلي مضت الخمس سنوات ببطء شديد، مزقت كل ما بي، جففت دمعي، وقتلت
كل ما بداخلي، رأيتهم يضحكون، ويكبرون، ويبتسمون، ويلعبون معا، وأنا لست بينهم. كنت
دائما معهم لكن لم أهتم سوى لحزني، وحياتي، لم أكن أفكر جيدا خذلت نفسي وأنا الأن أجني
ما زرعت.
بينما أنا
في زاويتي أتأملهم، همس لي صوت دافئ وكأنه عقلي من يحدثني، همس باسمي بعذوبة، ولاح
أمامي ضوء أبيض ساطع فكأنما الصوت سحبني إليه، خدرني ذلك الصوت الحاني، فسجنني في عمق
ذاك الضياء، نسيت كيف أبكي، فقط وقفت هناك أنتظر أن يبزغ شيء ما من العدم. لبثت في
الضياء أكثر مما لبثت في فراغ منزلي، اعتادت عيناي ذاك الضوء المشع بقسوة. مهما سبحت
فيه، لم أجد له نهاية.
ذلك الهدوء
القاتل بصمت، ذلك الهدوء الذي تمنيته، لم يعجبني قط. صوت الهدوء الوحيد ما كان يرن
في عقلي بجانب الصوت الهامس دعوت كثيرا بأن أراه فأشكره فلقد أنقذني من غيبوبة يائس
مؤكدة.
رن الصوت
الهامس مجددا وأي فرح ملئني، أمطرت عيناي فرحا فلقد همس! ليس باسمي بل مرحبً بي، خاطبني
أحدهم أخيرا وإن لم يكن شخص ما، قال: "مرحباً كيف حالكِ؟ أعتذر لجعلكِ تنتظرين
كل هذا الوقت." رددت والسعادة تغمرني وبكل هستيرية بأنني بخير بخير! وقبل أن يهرب
مرة أخرى باغته بأسئلتي لماذا أنا هنا؟ وكيف أصبحت هكذا؟ أرجوك أجبني. كررت السؤال
مرة ومرتين وثلاث ولم يجبني أحد، فتحولت دموع سعادتي الى حزن، برغم أنه وقت طويل منذ
أخر مرة بكيت فيها إلا أنه لازالت تؤلمني عيناي. بعد وقت طويل من الدموع والندم والحيرة،
صمّت فلم يعد هنالك ما يُجدي، تنهدت بقوة طاردة ألم تأصل بقلبي أمسيت أنا وهو واحد.
يا إلهي كم مرة قلت فيها إني وحيدة، كم مرة كذبت على نفسي وقلت إني لا أعرف ما الحب
وما الاشتياق، أمي اشتاق لصراخك علي بسبب أو بدون سبب، أبي حقا أفتقد نظرتك لي عندما
أخطئ، أخي كم أفتقد ضحكك على كل شيء، أختي كم أفتقد لمزاجك الغريب. أعتذر لنفسي لكذبي
عليها وأعتذر لقلبي لخداعي له. مهما أغرق الدمع عيني لن أتزحزح من هنا. تخرج أخي من
المرحلة الإعدادية بينما أنا أنظر اليه من زاوية ارتأيت أنها تطل على أغلب جوانب المنزل،
باركت له حتى وإن لم يرى ابتسامتي، ابتسمت له وهنأته على تخطيه إياها وإن كان فاشلا
في دراسته فلازال يستحق التهنئة.
وقبل خمس
سنوات من الأن كنت معهم ولم أشعر. أنا لا أنام الأن ولا أكل ولا أشرب، والمشكلة الأعظم
هي أنني لا أعلم إن كنت حية أم ميته، صراعي الدائم بين هذين وأبدا يكون الموت ما ينتهي
إليه تفكيري. أسلي نفسي بندمي على ما فرطت، ولو شتمت نفسي بكل كلمة سيئة وُجدت، لا
أفيها حقها. ما أعيشه من جحيم مستعر الأن هو بسببي أنا.
بعد أمد
طويل رد علي الصوت الهامس قائلا: "أنتِ لم تولدي كما تمنيتِ، ولا تسمعين كما حلُمتي
فكيف لك أن تسألي لماذا أنت هنا؟ فالخطأ خطأكِ" غيرت سؤالي بلمح البصر فجوابه
لم يشفي غليلي، من أنت؟ قلتها بحزم يطوقها وبسرعة تلفها، فأجابني "أنا نسج خيالك
فلا وجود لي حقيقةَ أنتِ من أوجدني لأسليك وأنسيك عزلتك" حتى عقلي أمسى
يكلمني! سكن الخوف بين أحرف كلماتي فخرجت مرتعدة: أنت خيال؟ إذا كل هذا خيال؟! صحيح
رد علي؟. ولم أسمع له منذ ذلك الحين، بدأت أصدق بأنه نسج خيال وأن كل ما أمر به الأن محض خيال أنا
كونته لأهرب من عالمي، وتظل لماذا تلاحقني ويظل جوابي لأنني حمقاء لم تقدر نعمة تحتضنها
-أو لنقل كانت- بين ذراعيها.
انتظرت النعاس
طويلا جدا وكأنه هنا يحدق بي لكنه لا يستطيع أن يحطم هذه الأسوار من حولي، اغمضت عيني
وأنا أزفر غضبا وألما والنور يدثرني، تظاهرت بأنني نائمة اشتقت لهذا الشعور، أيضا كشوقي
لأمي وعائلتي والليل المظلم، والقمر الذي تكور في سماء سوداء أطلت على غرفتي كشمعة
منيرة لا تضيء كل شيء لكنها تكفي.
رحلتي وسط
اللامكان لم تنتهي بعد لا يهم كم صرخت لا يهم كم علا صوتي فلا أحد هنا ليسمعني، ولا
أحد مهتم بالبحث عني تهت وسط فراغ العدم ولا زلت أبحر فيه، أهو خيال حكته أنا؟! أم
أن امنياتي تحققت كما أردت، أم أنني فقط جُننت!.
