مؤلم هو اليتم.

وددت لو أعود!



كنت طفلة عندما تألمت لأول مرة، تألمت بشدة أردت ان اختفي عن هذا العالم فقط إلى أن ينتهي هذا الألم رحل عني الألم لكن لازلت اراه امامي في كل مرة أحاول فيها هدم تلك الأساور المحيطة بي لكن دائما الرعب يتملكني يقتلني لا أستطيع لا أستطيع اقنعت نفسي بهذا الفكرة إلى أن أصبح الهواء خانقا لن ولن ولن أصبحت تكبلني، كل شيء حولي أمسى قاتما فقط لكيلا أتألم مجددا وانتهى المطاف بي لا أشعر بشيء.
"توقفي" صرخة أوقفت رولا في مكانها
نظرت ببراءة لعمتها والدموع تبرق في عينيها مدت مروة يدها إلى رولا وبنظرة حازمة تحدثت عنها، بصقت رولا الكرة التي في فمها وضعتها هناك لكي تخبئها من أخاها الذي يصغرها بعام اخفت مروة ابتسامتها بصعوبة فلقد بصقت الكرة في يديها سارت رولا بخطواتها الواثقة ونظراتها المتعالية لم تبلغ الخامسة لكن كبريائها تخطاها أكملت مسيرها نحو باب المنزل امسك بها والدها وهي تحاول الخروج رفعها إليه وابتسم بابتسامة شريرة "تريدين الهرب ها؟!" نطق بها وكاد قلبها ان ينفجر رعبا كل ما تفكر به هو ان لا تُعاقب ترقرق الدمع في عينيها لطالما كان دمعتها سلاحها الأخير انزلها واحتضنها برقة اب وعطف ام لم تحظى بالكثير من الذكريات معها فلقد ماتت بعدما انجبت اخاها عُدي لم تعرف معنى فقد الأم بعد فهي لازلت لا تعي شيء كانت تعتني بهما عمتها مروة في نفس منزلهم تعيش فلماذا لا تفعل فهو كان امرا إجباريا أكثر من ان يكون رقة قلب. طرق والد رولا باب غرفة مروة مناديا لها لتخرج وذهب إلى غرفة المعيشة يداعب طفليه لحقت به بعد بضع ثواني أجلسها امامه قائلا "انصتي لي جيدا انا حقا مضطرا لفعل هذا سأترك الطفلين معك لشهرين..." قاطعته بصوت يرتجف بغضب مرتبك "ماذا؟!!" أكمل وهو يلاعب شعر عُدي "أرجوك أحتاج حقا إلى ان اختفي لشهرين فقط شهرين اعدك بأن أعود ولن يطول الأمر أرجوك" ردت وغصة بكاء تملئها "حسنا افعل ما تريد لكن فقط لشهرين". مر عام كامل منذ قَطع ذاك الوعد جُن جنون مروة ولم تستطع الاحتمال لم تحمل يوما مسؤولية كهذه على عاتقها من قبل ضاقت عليها الدنيا بما وسعت صراخ عُدي يؤرقها ليل نهار ضحكات رولا تمزقها ارادت كونا منعزلا عن البشر فابتليت بطفلين اثنين تملكتها نوبتها الفظيعة ككل يوم مضى منذ اختفاء والدهم حطمت كل ما وقعت عليه عيناها وكان عُدي ممن وقعوا تحت عينيها كادت ان تهشم عظامه لولا ان دفعتها رولا حملت اخاها بين ذراعيها الصغيرتين فنالت ما ناله.
احتضن الظلام الغيوم فغطت الشمس في سباتها اليومي وجفت الأصوات ومن بين الفراغ صوت بكاء هزيل وضعت رولا يدها على فمها خوف ان يصدر لها صوت فتصفع وتنام خارجا كأخيها الأن وككل براءة تتألم غلبها النعاس بينما هي تبكي فأي نوم تهنئ به وهذه حالها استيقظت ترتجف لا تعلم أهو خوف أم برد تلبسها ظلت تفكر بأخيها فتسللت له اختبئ في حضن نفسه كقطة تحتضن امها دمعت عيناها ونامت بجواره على أرض بالعراء لا شيء تحتهما ولا شيء فوقهما.
فاقوا على وجه مروة تنظر إليهم بابتسامة غاضبة امسكت بهما من رأسيهما وفتحت الباب ودفعتهما خارجا "أرحلا لا تعودا مجددا ابدا ابد " قالتها بصوت عالٍ موضحةً به انه طريق الحياة الجديد لهما لطفلين في السادسة والخامسة ابتسمت رولا لابتسامة اخاها "لقد ارتحنا الأن لن تضربني كل يوم" بصوت بريء نطق بها سارا نحو مكان يرونه لأول مرة طرق خالية ممرات ضيقه منازل في كل مكان لم يعلموا أبدا بوجود هذا الكم الهائل منها.
بين المنازل لاحت شمعة دفئ احتضنتهما لملمت رولا بعثرة روحها مددت قدميها المهلكة فألقى عُدي برأسه عليها ناما رغم البرد ورغم العراء لفتهما السماء بأمل بارق وعانقتهما الأرض برجاء متقد مساء لم يكن ككل المساءات تغير كل شيء لحظة خروج والدهما اين ذهب ولماذا ذهب كل شيء تغير ولن يعود ولو تمنيا امد الدهر ان يعود خرقت اشعة النهار رداء الظلام الطويل ليوقظ عُدي بشعاع ساخن نهض عُدي وقعد بجوار اخته اتكئ عليها فعصفت به رياح حزن عاتية ابتسم بدمع منهمر ألقى بعينه على جدرا المنزل الذي امامه لم يكن شيئا ضخما ولا جميلا بناء متأكل الأطراف لكنه يأوي من بداخله لا يهم الشكل ولا المكان المهم هو ان روحا تستطيع ان تعيش بداخله هز عُدي كتف رولا بلطف ليوقظها "أتركني" قالتها ببحة بكاء أنا أعلم ما الذي يحيطني فلماذا افيق من حلم بارد هزها مرة ومرتين إلى نهضت غاضبة "ماذا؟!" أشار بإصبعه أن انظري خلفك ألتفتت إلى كلب يحمل قط بين اسنانه تجمدت في مكانها لفظ الكلب القط المعلق بين اسنانه وخطى خطوة خطوة ببطء عادت رولا بخطواتها القصيرة الى الوراء ومدت يدها لعُدي امسك بها رفعته برفق اليها وهمست له "أهرب" ركض عُدي نحو الضياء ادار رأسه باحثا عن رولا لم ينتبه الى انها مازالت تمسك يده ضحك والدمع يتطاير سحب اخته اليه لتصبح بجانبه ركضا معا نحو الضياء وهاهما وسط الشارع لا يفقهان شيئا توقفا على قارعة الطريق ينظران الى الرائح والآت مر الصباح ولم يكترث احد وها هو العشاء يقترب والشمس تكاد تسقط الكل يمر وينظر بنظرة الشفقة تلك لم يعطف قلب احدهم فلم يعد هنالك من يبالي أنا وفقط أنا من سيعيش لذا يجب ان اهتم بنفسي أولا الكل يصرُخ بها بدون صوت ضج الشارع بأصوات المارة فلقد حط المساء انتصبت رولا وسارت على طول الرصيف لا تعلم الى اين لكن لربما مكان افضل من هذا المكان اختلطا بين الحشود حتى لم يكن لأحدا ان يراهم وصلا لمكان اكبر واعظم فالبنايات كانت مرتفعة والشوارع اشد ازدحاما رفعا رأسيهما بدهشة غامرة تلفتا يمنة ويسرة محاولان اللحاق بتلك الأضواء امسكت يد بكتف عُدي فطوق رولا والرعب يملئه عادا للخلف بسرعة لم يلحظا من أو لم يفكرا بأن يريا من ركضا وركضا ولم ينظرا للوراء ابدا انتهت تلك الأضواء وتلبدت المنازل بالسواد وحاوطت البنايات نفسها بالظلام ارتجافه طفلين وسط اللامكان تُكاد تسمع من بُعد مئة متر الجوع الذي دندن داخلهما والإعياء الذي يكاد يسقطهما كل هذا ومازالا يقفان على قدميهما ابتسمت رولا تلك الابتسامة المطمئنة ليست تقصدها لكن لتريح أخاها الذي رد بابتسامة هو الأخر فكليهما اعتقد انه يجب ان يقف بجانب الأخر وان يكون أقوى لأجله اشارت رولا برأسها إلى منزل بدى دافئا من الخارج بتلك العتبة الزرقاء والباب الأبيض والمشعل الصغير فوقه 201 كان رقم المنزل الذي جلسا بجواره ليحتويهم النوم كلحاف ابيض فتح باب منزله ليفاجئ بطفلين يرقدان في حدود منزله همس لهما "استيقظا" قالها بصوت خفيض بارد لم يردا عليه فحملهما الواحد تلو الأخر الى تلك الأريكة الحمراء التي زينت وسط منزله تميزت من بين شريكاتها السوداء وضع عُدي بطرفها الأيمن ورولا بالأيسر وأحضر غطاء ابيض مرقط بالأصفر كان يبدو لطفل في العاشرة من عمره. دثرهما. وغالبه النعاس وهو يتأملهما  افاقت رولا والفزع يطوقها ايقظت اخاه المستلقي بجوارها وبخطى خفيفة نحو باب المنزل تقلب الرجل في مكانه زاد الفزع في قلبيهما فجَرَيا بسرعة خاطفة اصطدمت اعينهم بضوء الشمس الساطع لكن رغم كل ما بهما خطواتهم المسرعة  وقفزهم بين كل منعطف واخر تُهنا هكذا قالت ملامحهم لحظة كفا فيها عن المشي تقدم نحوهما رجل باسم بدت عليه ملامح الأربعينات قال ملوحا "هل تحتاجان للمساعدة" لم يرد عليه احد فأردف "أستطيع أن أساعدكما" وهب راكضا نحوهما لم يجدا الوقت للهرب قيد فم رولا وهدد عُدي بأن ان لم يصمت سيقتلها. حط المساء اجنحته ورولا القابعة في جنبات الظلام في تلك الغرفة الموحشة المغلقة أُسدل الستار عليها وانتهى بها الأمر تبكي مرة أخرى وحدها.
ومن بين صرخات الحزن الساكنة فيها تصرخ من عمق الأسى أنجدوني لكن من يسمع لها.
 ما زلت اعتمر قبعة طفولتي كيف أعيش كيف أستمر بالعيش فتح الباب وانهمر الضوء على زوايا الغرفة القاتلة دخل يجر بيده عصاً ضخمة وانهال عليها ضربا لم يكن العمل اليوم جيدا فالمدير أغضبه كثيرا لم يقدر على أن يصب جم غضبه عليه خشية أن يُطرد فتذكر لحظتها بأن لديه كيس رمل يقبع في منزله! الألم قليل أن أقول عنه ألم تنوح وتصرخ تبكي وتصيح ولكن من يسمع لها أخاها الذي تصلب بجانب غرفة العذاب تلك لم يحبسه كما فعل برولا لأنه كما قال يذكره بابن له خرج من عندها متنهدا رمى العصا خلفه وأغلق الباب من بعده تركها وسط الفراغ تشكي لتلك النافذة حالها. انبثق عليها ضوء القمر الوضاء ليخبرها أن مازال هنالك أمل فقط تحملي. بعد سنتين من شرب نفس الكأس لم يعد لذلك الضوء معنى اعتادت عيناها الظلام وان تاقت نفسها يوم للنور اختلست تلك النظرة الخاطفة من تحت الباب تنام وتصحو على نفس المعزوفة. عُدي أصبح صبيا يقدر أن يتصرف فسرقته للطعام كل يوم ليطعم رولا لم تعد مجدية استجمع شجاعته في تلك الليلة الظلماء واخذ مفتاح غرفة رولا متسللا على أطراف أصابعه فتحه نظر إليها فلم تكن هي ذاتها رولا. ملامحها الكئيبة ونظراتها السوداوية لم يرها منذ ذلك اليوم فقط يدها التي تمدها لتأخذ بقايا طعامهم حاول أن ينهضها فلم تستطع خارت قواها وانهدت عزيمتها وضع يدها على كتفه مساعدا إياها على النهوض وسارا نحو الحرية المزعومة. ها هما يسيران على تلك الطرقات التي ساقتهما إلى هنا في المقام الأول. نظر عُدي إلى رولا وابتسم وأتبع ابتسامته "لقد نجونا لن تتألمي مجددا أعدك" تطلعت قدما لن تتألمي حثا الخطى مسرعين نحو الحرية وصلا لتقاطع طرق علقا في وسطه اين نذهب ومن أين طريق النجاة ومن يمينهم سيارة مسرعة معلنة حرب عليهم توقفت أمامهما فكان هو، نعم هو ذلك الألم. أمسك بهما مجددا طوق عنقهما صاح عُدي "أنقذونا فليساعدنا أحد" ولم يكن هناك أحد. قيدهما كأول مرة ورجع بهم لمعتقله والشرر يكاد يحرقه امسك بـــ عُدي ولم يبقي به شيئا صحيحا ركله لكمه صفعه ومازال غاضبا منه فكيف له أن يخونه هكذا بعد أن عامله كابن له سمع ابن الجيران صوتا ينوح هذه المرة ترجى أمه أن تتصل بالشرطة فأجابت "لا دخل لنا بأمور غيرنا" كيف لنا ألا نتدخل في شؤون غيرنا أولسنا بشر مثلهم ألا نشعر بما يشعرون به. ترك الألم عُدي بين حياة وموت وجال برأسه باحثا عن رولا المتحجرة خلف شجرة الزينة امسك بشعرها وجرها بجانب أخاها فأنصفهما بنفس المقدار حياة وموت وفجأة ملئ صوت الشرطة المكان دخلوا المنزل بينما هو يحاول أن يخبئهما قبضوا عليه ولكن هل كان حقا لم يفت الأوان فروح عُدي قد فاضت ونفس رولا قد طابت الحياة. فتحت عينيها ببطء هواء لذيذ كانت تستنشقه أصوات مزعجة وهدير الأجهزة ما هذا المكان حاولت أن تسترق نظرة فلم تستطع أحاط الألم برأسها وصوت جهاز مؤلم. ما هذا كيف تحول النور إلى ظلام عادت بها الذكريات لحظة خروج والدها عانقت يده مودعة إياه نظرت لنفسها صرخت "لا تدعيه يرحل أرجوك لا تتركيه" حاصرها الظلام وتلاشت تلك اللحظة وهمست لأخر مرة "لو أعود" ما فائدة الهمس وما فائدة كل شيء انتهت اللحظة وانتهت معها الحياة. أيها الاب البعيد ألم يحن موعد الرجوع؟ وكيف يعود بينما لم يعد له وجود! دقائق من الاغتراب نشلته من الدنيا ليودعها ما ان وطئت قدماه أرض بلد أخر يا لها من عائلة محظوظة! من كل حد تركض نحوها الأوجاع.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لوحة الخذلان

معجزات ديسمبر